محمد حسين هيكل

310

حياة محمد ( ص )

لفي جهازهم إذ حال مرض رسول اللّه ، ثم اشتداد المرض به ، دون مسيرهم . وقد يسأل إنسان : كيف يحول مرض رسول اللّه دون مسيرة جيش أمر بجهازه وسفره ؟ لكن مسيرة جيش إلى الشام يقطع البيد والصحاري أياما طويلة ليست بالأمر الهين ولم يكن يسهل على المسلمين ، والنبي أحبّ إليهم من أنفسهم ، أن يتركوا المدينة وهو يشكو المرض وهم لا يعلمون ما وراء هذا المرض . ثم إنهم لم يعرفوا قط من قبل أنه شكا مرضا ذا بال ، فهو لم يصب من المرض بأكثر من فقد الشهيّة في السنة السادسة من الهجرة حين قيل كذبا إن اليهود سحروه ، ومن ألم أصابه واحتجم من أجله حين أكل من الشاة المسمومة في السنة السابعة من الهجرة . ثم إن حياته وتعاليمه كانت تنأى به وبكل من يتّبعها عن المرض . فهذا الزّهد في الطعام ونيل القليل منه ، وهذه البساطة في الملبس والعيش ، وهذه النظافة التامة نظافة يقتضيها الوضوء ويحبها محمد ويحرص عليها ، حتى ليقول : إنه لولا خيفته أن يشق على قومه لفرض عليهم السّواك في اليوم خمس مرات ، وهذا النشاط الدائم ؛ نشاط العبادة من ناحية ونشاط الرياضة من ناحية أخرى . وهذا القصد في كل شيء ، وفي الملذات قبل كل شيء . وهذا السموّ عن عبث الأهواء ، وهذه الرفعة النفسيّة لا تدانيها رفعة ، وهذا الاتصال الدائم بالحياة وبالكون في خير صور الحياة وأدق أسرار الكون - هذا كله يجنب صاحبه المرض ويجعل الصحة بعض حظه . فإذا كان سليم التكوين ، قوي الخلق ، كما كان محمد ، جفاه المرض ولم يعرف إليه سبيلا . فإذا مرض كان طبيعيّا أن يخاف محبوه وأصحابه ، وكان طبيعيّا أن يخافوا وهم قد رأوا ما عاناه من مصاعب الحياة خلال عشرين سنة متتابعة . فهو منذ بدأ يجهز بدعوته في مكة مناديا الناس بعبادة اللّه وحده لا شريك له وبترك الأصنام مما كان يعبد آباؤهم ، قد لقى من العنت ما تنوء به النفوس مما شتّت عنه أصحابه الذين أمرهم فهاجروا إلى الحبشة ، وما اضطرّه للاحتماء بشعاب الجبل حين أعلنت قريش قطيعته . وهو حين هاجر من مكة إلى المدينة بعد بيعة العقبة قد هاجر في أدقّ الأحوال وأشدها تعرّضا للخطر ، وهاجر وهو لا يعرف ما قدر له بالمدينة . وقد كان بها في الفترة الأولى من مقامه موضع دسّ اليهود وعبثهم . فلما نصره اللّه وأذن أن يدخل الناس من أنحاء شبه الجزيرة في دين اللّه أفواجا ، ازداد عمله وتضاعف مجهوده وظلّ تعهّد ذلك كله يقتضيه من بذل الجهود ما ينوء بالعصبة أولى القوة ، وإن له - عليه الصلاة والسلام - في بعض الغزوات لمواقف تشيب من هولها الولدان . وأيّ موقف أشدّ هولا من موقفه يوم أحد حين ولى المسلمون ، وسار وهو يصعد في الجبل ورجال قريش يشتدّون في تتبعه ، ويرمونه حتى كسرت زباعيته ! وأيّ موقف أشدّ هولا من موقفه يوم حنين حين ارتدّ المسلمون في عماية الصبح مولّين الأدبار ، حتى قال أبو سفيان : إن البحر وحده هو الذي يردّهم ، ومحمد واقف لا يرتد ولا يتراجع وينادي في المسلمين : إلى أين ، إلى أين ! إليّ ، إليّ ، حتى عادوا وحتى انتصروا ! . والرسالة ! والوحي ! وهذا المجهود الروحي المضني في اتصاله بسرّ الكون وبالملأ الأعلى ، هذا المجهود الذي روي بسببه عن النبيّ أنه قال : شيبتني هود وأخواتها ! رأى أصحاب محمد هذا كله ، ورأوه يحمل العبء صلبا قويّا لا يعرف المرض إليه طريقا . فإذا مرض من بعد ذلك ، فمن حق أصحابه أن يخافوا وأن يتمهّلوا في السير من معسكرهم بالجرف إلى الشام ، حتى تطمئن نفوسهم إلى ما يكون من أمر اللّه في نبيه ورسوله . خطاب النبي أهل المقابر وحادث وقع جعلهم أشد خوفا ؛ فقد أرق محمد ليلة أوّل ما بدأ يشكو وطال أرقه ، وحدّثته نفسه أن يخرج في ليل تلك الأيام ، أيام الصيف الرقيقة النسيم ، فيما حول المدينة ، وخرج ولم يستصحب معه أحدا إلا مولاه أبا مويهبة . أفتدري أين ذهب ؟ ذهب إلى بقيع الغرقد حيث مقابر المسلمين على مقربة من المدينة . فلمّا وقف بين المقابر قال يخاطب أهلها : « السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس